د. إنجي الحسيني تكتب: لاتزرع ورود حبك في وسط الصبار



من الغباء بناء الحب علي أرض غير صالحه لبناء الدفء والونس ليس كل قلبٍ يستحق أن تمنحه مشاعرك، وليس كل شخصٍ تقابله في طريقك مؤهلًا لأن يحمل أمانة قلبك. كثيرون يظنون أن الحب وحده يكفي، وأن المشاعر الصادقة قادرة على تغيير النفوس وإصلاح ما أفسدته الأيام، لكن الواقع يخبرنا بشيء مختلف تمامًا.

من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أن يراهن بكل ما يملك من مشاعر على شخص لا يؤمن أصلًا بقيمة الونس، ولا يعرف معنى الاحتواء، ولا يقدّر وجود قلبٍ يحبه بصدق. فالحب ليس عملية إنقاذ، وليس مشروعًا لإصلاح الآخرين، وليس معركة تثبت فيها أنك أكثر صبرًا أو أكثر وفاءً.

الحب الحقيقي يحتاج أرضًا صالحة لينمو عليها، أما إذا ألقيت بذور مشاعرك في أرضٍ قاحلة فلن تحصد سوى التعب والخذلان.

عندما يتكلم القلب وحده

القلب جميل، لكنه أحيانًا أعمى.

قد ترى شخصًا وتنجذب إليه بقوة، تشعر نحوه بالألفة، وتفسر كل إشارة صغيرة على أنها دليل اهتمام. تتعلق بالأمل أكثر من تعلقك بالحقيقة، وتحب الصورة التي رسمتها في خيالك أكثر من الشخص الذي يقف أمامك.

وهنا تبدأ المشكلة.

القلب يقول:"ربما يتغير.""ربما يحتاج وقتًا.""ربما لا يعرف كيف يعبّر.""ربما يحبني بطريقته الخاصة."

لكن العقل يهمس في الخلفية:"انظر إلى أفعاله.""كم مرة شعرت بالأمان معه؟""كم مرة اضطررت لتبرير تقصيره؟""هل يعطيك ما تطلبه منه أم مجرد وعود؟"

الفرق بين القلب والعقل أن القلب يتعلق بالاحتمالات، بينما العقل يتعامل مع الحقائق.

إشارات لا يجب تجاهلها

هناك دلالات واضحة تخبرك أن الشخص غير قابل لفكرة الحب الصحي أو الونس الحقيقي، لكن كثيرًا منا يتجاهلها لأنه لا يريد مواجهة الحقيقة.

من هذه الإشارات:

1- وجودك وغيابك سواء

الشخص الذي لا يلاحظ غيابك كما لا يحتفي بوجودك لا يقدّر قيمتك كما تستحق.

الحب لا يعني التملك، لكنه يعني الشعور بالفقد عندما يبتعد من نحب.

2- يستهلك مشاعرك ولا يبادلها

أنت من يبدأ الحديث.أنت من يسأل.أنت من يصلح الخلاف.أنت من يعتذر أحيانًا رغم أنك لست المخطئ.

بينما الطرف الآخر يكتفي بالأخذ دون عطاء.

العلاقات لا تنجح عندما يتحول أحد الطرفين إلى مصدر دائم للطاقة بينما الآخر مجرد مستهلك لها.

3- الكلمات جميلة والأفعال غائبة

هناك أشخاص محترفون في صناعة الوعود.

يتحدثون عن المستقبل، وعن الاهتمام، وعن الحب، لكن الواقع لا يحمل شيئًا من ذلك.

الأفعال هي اللغة الحقيقية للمشاعر.

أما الكلام وحده فلا يبني علاقة ولا يصنع أمانًا.

4- تشعر بالوحدة رغم وجوده

أخطر أنواع الوحدة أن تكون بجوار شخص وتشعر أنك وحدك.

أن تحتاج إلى كلمة دعم فلا تجدها.

أن تمر بظرف صعب فلا تشعر بسنده.

أن تحكي فيستمع بجسده بينما عقله وقلبه في مكان آخر.

أهمية الاختيار

الاختيار ليس رفاهية عاطفية، بل مسؤولية.

قبل أن تختار شخصًا ليشاركك حياتك اسأل نفسك:

هل أشعر معه بالراحة أم بالتوتر الدائم؟

هل أحاول أن أكون نفسي أم أرتدي شخصية أخرى حتى يقبلني؟

هل وجوده يضيف إلى حياتي أم يستنزفها؟

هل يعاملني باحترام في لحظات الخلاف كما يعاملني بلطف في لحظات الحب؟

الاختيار الصحيح لا يعتمد فقط على الانجذاب، بل على التوافق والقيم والقدرة على بناء حياة مستقرة.

توازن القلب والعقل

أجمل العلاقات هي التي يوافق فيها العقل على ما اختاره القلب.

عندما يحب القلب شخصًا ويحذرك العقل منه، توقف قليلًا واستمع.

ليس المطلوب أن تقتل مشاعرك، بل أن تقودها بحكمة.

القلب يمنح الدفء.والعقل يمنح البصيرة.

القلب يدفعك نحو التجربة.والعقل يحميك من السقوط المتكرر.

عندما يعمل الاثنان معًا تصبح قراراتك أكثر نضجًا واتزانًا.

لا تجعل الحب يلغيك

الحب لا يعني أن تتخلى عن كرامتك.

ولا يعني أن تقبل الفتات لأنك تخاف الفقد.

ولا يعني أن تبرر الإهمال المستمر باسم الظروف.

الشخص المناسب لن يجعلك تتسول الاهتمام، ولن يتركك في حالة شك دائم، ولن يجعلك تشعر أن عليك القتال كل يوم من أجل مكانة تستحقها بالفعل.

الخلاصة

من الغباء أن تضع قلبك كله بين يدي شخص لا يؤمن بقيمة القلب.

ومن الظلم أن تستنزف سنوات من عمرك في محاولة إقناع شخص بأن يحبك بالطريقة التي تستحقها.

الحب ليس إثباتًا للجدارة، ولا سباقًا للفوز بقلبٍ هارب، ولا انتظارًا طويلًا عند بابٍ مغلق.

اختر من يختارك.وقدّر من يقدّرك.وأنصت للعقل عندما يحاول إنقاذ القلب من وهمٍ يرتدي ثوب الحب.

فأجمل العلاقات ليست تلك التي نركض خلفها، بل تلك التي نجد فيها الونس، والاحترام، والطمأنينة، دون أن نفقد أنفسنا في الطريق